المرقصات و المطربات

المرقصات و المطربات

ابن سعيد


أمرؤ القيس :
كأن قلوب الطير رطباً و يابساً        لدى وكرها العناب و الحشف البالي
****
كأن عيون الوحش خول خبائنا      و أرجلنا الجذع الذي لم يثقب
****
سموت إليها بعدما نام أهلها        سمو حباب الماء حالاً على حال
****
و قد أغتدي و الطير في ركناتها      بمنجرد قيد الأوابد هيكل

عنترة بن شداد
جادت عليه كل عين ثرة        فتركن كل حديقة كالدرهم
و خلا الذباب بها فليس ببارح      غرداً كفعل الشارب المترنم
هزجاً يحك ذراعه بذراعه        قدح المكب على الزناد الأجذم
****
و لقد ذكرتك و الرماح نواهل        مني و بيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها        لمعت كبارق ثغرك المتبسم
****
يدعون عنتر و الرماح كأنها        أشطان بئر في لبان الأدهم

طرفة بن العبد
يشق حباب الماء حيزومها بها       كما قسم الترب المقابل باليد
****
و الستر دون الفاحشات و ما        يلقاك دون الخير من ستر
لو كنت من شئ سوى بشر        كنت المنور ليلة البدر

أعشى بكر
غراء فرعاء مصقول عوارضها   تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل
كأن مشيتها من بيت جارتها     مشي السحابة لا ريث و لا عجل
****
الست منتهياً عن تحت أثلثنا     و لست ضائرها ما ألمت الأيل
كناطح صخرة يوماً ليوهيها     لم يضرها و أوهى قرنه الوعل

قيس بن الحطيم
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة     بدا حاجب منها و ضنت بحاجب
****
إني شربت و كنت غير شروب     و تقرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد نولته      في النوم غير مصرد محسوب
كان المنى أن نلتقي فلقيتها      فلهوت من لهو أمرئ مكذوب
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها    في الحسن أو كدنوها لغروب

حسان بن ثابت
أصون عرضي بمال لا أدنسه     لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال أن أودي فأكسبه     و لست للعرض أن أودي بمحتال

لبيد بن ربيعة
و ما المرء إلا كالشهاب و ضوئه      بحور رماداً بعد زهو ساطع
و ما المال و الاهلون إلا ودائع       و لا بد يوماً أن ترد الودائع
أليس ورائي إن تراخت منيتي      لزوم العصا نحني عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت      أدب كأني كلما قمت راكع
فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه      تقادم عهد القين و النصل قاطع

تنويعات على وتر الشعر

تنويعات على وتر الشعر


فلا جزع إن فرق الدهر بيننا          فكل امرئ يوما له الدهر فاجع
و ما المال و الأهلون إلا ودائع        و لابد يوما أن ترد الودائع
لبيد بن ربيعة

و إذا المنية أنشبت أظفارها          ألفيت كل تميمة لا تنفع
و النفس راغبة إذا رغبتها          و إذا ترد إلى قليل تقنع
أبو ذؤيب

و لقد دخلت على الفتاة          الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء ترفل          بالدمقس و بالحرير
فدنت و قالت: يا منخل          ما بجسمك من حرور ؟
ما شف جسمي غير حبك          فاهدئي عني و سيري
المنخل اليشكري

فإن تسألوني بالنساء فإنني          خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله          فليس له في ودهن نصيب
علقمة بن عبدة

دعيني للغنى أسعى فإني          رأيت الناس شرهم الفقير
و أبعدهم و أهونهم عليهم          و إن أمسى له حسب و خير
و يقضيه الندى و تزدريه          حليلته و ينهره الصغير
و يلقى ذا الغنى و له جلال          يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه و الذنب جم          و لكن للغني رب غفور
عروة بن الورد

و ليل كموج البحر أرخى سدوله          علي بأنواع الهموم ليبتلي
إمرؤ القيس

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل       و إن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي        و أنك مهما تأمري القلب يفعل
إمرؤ القيس

سئمت تكاليف الحياة و من يعش        ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
زهير بن أبي سلمى

من يفعل المعروف لا يعدم جوازيه      لا يذهب العرف بين الله و الناس
زهير بن أبي سلمى

ملأنا البر حتى ضاق عنا        و ظهر البحر نملؤه سفينا
لنا الدنيا و من أضحى عليها        و نب\ش حين نبطش قادرينا
إذا بلغ الفطام لنا صبي        تخر له الجبابر ساجدينا
عمرو بن كلثوم

كليني لهم يا أميمة ناصب        و ليل أقاسيه بطئ الكواكب
النابغة الذبياني

و أقول ما قاد المودة بيننا        بوادي بغيض يا بثين سباب
فقلنا لها قولا فجاءت بمثله        لكل كلام يا بثين جواب
جميل بن معمر

و إني لأرضى من بثينة بالذي      لو ابصره الواشي لقرت بلابله
بلا و بألا أستطيع و بالمنى      و بالأمل المرجو قد خاب أمله
و بالنظرة العجلى و بالحول ينقضي      أواخره لا نلتقي و أوائله
جميل بثينه

فما ابناك إلا ابن من الناس فاصبري     فلن يرجع الموتى حنين المآتم
الفرزدق

ألستم خير من ركب المطايا          و أندى العالمين بطون راح
جرير





          


باب الحب فصل العشق مع الهوى

باب الحب فصل العشق مع الهوى



لعل أعظم الإغراءات هي أن تكون معشوقا.
لور دابرانتس

هناك طريقتان لإثارة الإعجاب : نسلى الآخر أو نثير اهتماماته.
ستانيسالس دو بوفلير

اقتربوا من هذه المرأة و اسألوها إن كان بريق عينيها للبيع
أندريه برتون

رجل يود إغراء امرأة عليه اجتياز الجبال. شابة تود إغراء رجل ليس أمامها إلا اجتياز حاجز من الورق.
من الأمثال الصينية

ليس صعبا البتة إغراء إمرأة لكن الصعب هو إيجاد من تستحق عناء الإغراء.
كير كيغارد

الرجل يبحث... العذراء تنتظر... المرأة تجتذب.
فيكتور هوجو

نساء اليوم يفهمن كل شئ ما عدا أزواجهن.
أوسكار وايلد

ليت هندا أنجزتنا ما تعد          و شفت أنفسنا مما نجد
و استبدت مرة واحدة             إنما العاجز من لا يستبد
شعر : عمر بن أبي ربيعة

النظرة أكبر سلاح للغنج العفيف . تسا\يع قول كل شئ بالنظرة و رغم ذلك نستطيع دائما نفي النظرة .
ستاندال

أن تكتب رسائل يعني أن تقف عاريا أمام الأشباح : أنها تنتظر هذه اللحظة بشراهة . القبلات المكتوبة لن تصل إلى المرسل إليهم الأأشباح تشربها أثناء الطريق .
فرانز كافكا

تتذكر النساء القبلة الأولى لوقت طويل بينما يكون الرجال قد نسوا قبلتهم الأخيرة .
ريمي دو كورمون

القبلة الأولى بالنسبة للمرأة هي نهاية البداية أما بالنسبة للرجل فهي بداية النهاية .
هيلين رواولاند

لن يكون الإخلاص الزوجي طبيعيا عند الإنسان إلا بقدر ما يكون القفص طبيعيا للنمر .
برنارد شو

تغيب عنا حالة العزلة عندما نلتقي بالحب. الحب هو الذي ينقذ كل شئ في العالم .
رين مالوين

دون الحنان لا شئ يبقى من الحب .
ماري لافوريه

الحاجة الجنسية هي الأكثر عنفا من بين شهواتنا : هي رغبة جميع رغباتنا .
شوبنهاور

النساء كائنات تكملنا تكمل نبضنا في الرغبة و الحب و الحنان .
جورج موستاكي

الرذيلة تسمم اللذة العاطفة تفسدها الاعتدال يشحذها البراءة تصفيها الحنان يضاعفها .
من الأمثال الصينية

الحب يولد من لا شئ و يموت من كل شئ .
ألفونس كار

أفضل الروائح رائحة الخبز أفضل المذاقات مذاق الملح و أفضل حب هو حب الأطفال.
غراهام غرين

لا نحب إلا النساء اللواتي نجعلهن سعيدات .
مارسيل آشار

الغيرة صفعة الحب .
ديفين كانزا

الزواج هو ترجمة نثرية لقصيدة حب .
بوجار ألفريد

المرأة الجميلة فردوس للعينين جحيم للروح و منظف للمحفظة.
برنار فونتنيل

لا ترى المرأة أبدا ما نعمل من أجلها هي ترى فقط ما لا نعمل .
جورج كورتيلين

المرأة نبع ماء لا يرتوي الرجل منه أبدا .
جاه أوليلا ويمبو

عندما يتعانق العشاق تتعانق حتى عيونهم .
شارل دو لوس

العاشق بشغف يصير بالضرورة أعمى عن عيوب موضوعه المحبوب . يستعيد البصر عموما بعد ثمانية أيام من الزواج .
كانط

النساء يستفدن من كل شئ لاستفزازك إنهن يعشقن تذكيرك بأنك مخيب للآمال .
ياسمينة رضا

الحب هو فرصتك الأخيرة . حقا لا شئ في الأرض سواه يستحق التشبث به .
لوي أراغون

لا يمكن أن يكون الحب مثيرا للضحك . لا توجد للحب أي علاقة مع الضحك .
ميلان كونديرا

شجار العاشقين هو تجديد للحب .
تيرينس

القلب يطالب بامرأة واحدة . الحواس بعدة نساء . الغرور بالنساء جميعا .
جان روستان

لا تثقي أبدا بزوج عندما يكون بعيدا و لا بعازب عندما يكون قريبا .
هيلين راولاند

جروح الحب لا شفلء لها إلا على يد من سببها .
مثل إيطالي

الحب ينتصر على الجميع نحن أيضا نستسلم له .
فرجيل

خيالك في قلبي و ذكرك في فمي و مثواك في قلبي فأين تغيب .
أبو بكر الشبلي











ساعة مع عيلة غريبة

ساعة مع عيلة غريبة
مي زيادة

الأشخاص
متاتياس : مالي من رجال البورصة.
أغابي : زوجته يونانية الأصل تظهر اللكنة الأعجمية في لفظها.
مدام سالم : أخته الكبرى ضيفة عنده مع زوجها.
الدكتور سالم : صهر متاتياس.
سميحة : أخت متاتياس الصغرى عزباء تسكن معه و قد توفيت والدة هؤلاء الأخوة الثلاثة على إثر ولادة سميحة.
شفيق : طالب في مدرسة الحقوق أديب و موسيقي أخو متاتياس لأبيه و قد توفيت والدته كذلك بعد وفاة أبيه يصغر سميحة بعامين أو أكثر قليلا.

المكان :
منزل فخم في رمل الإسكندرية

الوقت :
بعيد الساعة التاسعة صباحا.

متاتياس ( جالس أمام المائدة يتناول طعام الفطور و إلى يمينه زوجته و إلى شماله شقيقتاه مدام سالم و سميحة. يتحادثون عن أشياء عادية كالمغص الذي تألم منه الولد و الخصام بين الخدم و المخصر على طاولة البكارا البارحة و لم ربح الجيران من مدخول البوكر في الشهر المنصرم إلخ.. يدخل شفيق بلا تسرع و يجلس بهدوء في مكانه قرب سميحة. متاتياس يرقبه بشئ من الاستياء ثم يتنحنح ليجلو صوته و لينذر السامعين بأنه سيقول شيئا خطيرا مخاطبا شفيق: صح النوم
شفيق ( بعد سكوت قصير ) : لم أكن نائما أنا آت من حمام البحر.
متاتياس : من حمام البحر ؟ إذن هذه الليلة لم تنم كعادتك ؟
شفيق يصب القهوة في فنجانه معرضا )
إذن تريد أن تنتحر انتحارا؟ أتظن أني سأتحمل هذا طويلا دون أن أدعك تشعر بأن لك من يسيطر عليك؟ في الليل بدلا من أن تفعل كسائر الخلائق فتسهر في تياترو أو في سينما....
شفيق (مقاطعا بأدب ) : و هل من شروط الخليقة أن تسهر
( مفخما اللفظة )
الخلائق في تياترو أو في سينما؟
متاتياس ( دون أن يلتفت لمقاطعته ) : ... أو معنا نحن أهلك فإنك تذهب إلى مجتمعات الدعوى و الكلام الفارغ و العقول المرقعة التي تسميها أندية الأدب و المناقشة و الخطابة
( أغابي و مدام سالم يتبادلان إشارة أسف و تتنهدان عاليا جدا )
و تعود بعد نصف الليل إلى كتبك الشيطانية كأن نور النهار لا يكفي لإضعاف بصرك و إتلاف صحتك و تقصير حياتك...
أغابي ( تتنهد مرة أخرى ) : يا سلام !
متاتياس ( ينطر إليها شزرا لجرأتها على مقاطعته و يتابع متغيظا ) : كانت غرفتك منارة عند الساعة الثالثة فمتى نمت و متى استيقظت ؟ ألا تعلم أن الكتب لم يتاجر بها متاجر إلا و جننته و أفقرته ؟ أتريد أن تعيش مستعطيا ذليلا ؟ ألسنا نحن أفضل من هذه الوريقات عدة إبليس ؟ أليس مجلسنا أهلا لك حتى تقضي الساعات مسجونا في غرفتك و عندما تخرج إلينا لا تعطينا غير الدقائق التي تقضيها على المائدة ؟ أهكذا يصطاف الناس أهكذا يتنزهون و يعيشون؟ أتعلم أن أمرك صار يشغلني إلى درجة القلق ؟ ساعدك الله على حياتك كيف تكون !
شفيق ( يحرك السكر في فنجانه بهدوء و يحتمل هذه الوعظة بتجلد من اعتاد سماعها يتكلم بأدب و رصانة ) : يسوءني أن أكون سببا لإزعاجك. و لكني لا أستطيع تغيير فطرتي . ثق بأني لن أفعل ما يؤذيني بل أتمتع بحريتي باعتدال. أحب أن أشعر بأني حر مطلق الحرية.
مدام سالم ( تشهق متعملة التعجب و الغيظ ) : أخوك يريد خيرك ز ينصحك و أنت تقول له : " أنا حر " ؟ نجنا يا الله من أولاد الجيل الجديد دا !
أغابي : دا إيه دا يا شفيق ؟ إنت تبقى حر إزاي ؟
شفيق ( متألما في ذكائه لمناقشة هذه الرءوس الخاوية ) : ها قد ابتلينا بموضوع جديد ! و هل كلمة أنا ر هذه الكلمة التي تثبت وجود الإنسان أمام الوجود هل هي أثيمة إلى هذا الحد؟ إن لي ذوقي و ميولي و مطالبي و رغباتي و كلها تختلف عن ذوق أخي و ميوله و مطالبه و رغباته. لا يعني هذا أني أفضله أو أنه يفضلني. كل طبيعة حسنة منسجمة في ذاتها. و لكنه عندما ينصحني و يعنفني يقدر أني مثله تماما و يجردني من نفسي و لا يتصور أني أختلف عنه كل الاختلاف فحبذا لو تفاهمنا مرة واحدة و وضعنا حدا لمثل هذه المناقشات. لكل منا فطرته و حريته و لي حريتي و أريد أن أتمتع بها.
مدام سالم ( و قد طفح كيل تعجبها ) : يا ابني دا أخوك. يكبرك بعشرين سنة.دا رباك زي أبوك. دا هو احتضنك و رباك. و أنت مخطئ تتبع سبل الضلال و لما يجي ينصحك تقوم انت تتجاسر تقول له " أنا حر " .
شفيق ( متتبعا باهتمام تحني هذا المنطق الاعوج ) : من يسمعك قائلة إني أسير في " سبل الضلال " يحسب أني....
( يصمت فجأة إذ يأنف متابعة جدال كهذا ثم يقول بشئمن المرارة)
تلومونني لأني لا أطيل الجلوس معكم و هل من عجب و كل جلسة كهذه الجلسة ؟
متاتياس ( يتنحنح كعادته ليقول شيئا خطيرا ) : و كم دفعت ثمن الأرغن الذي جئت به البارحة؟
شفيق ( بتأدب ) : هذا أمر لا يعني غيري.
متاتياس ( يغضب حقيقة هذه المرة ) : شئونك المالية لا تعنيني ؟
شفيق ( ينجح في أن يكون هادئا كالأول ) : إنها لا تعني غيري في هذا الموقف لأني ابتعت الأرغن بما توفر لدي من مصروفاتي الشهرية. و أنا حر في أن أشتري آلة موسيقية تسرني و لا تؤذي أحدا.
مدام سالم : هو " حر " من جديد هو "حر" كل مرة.
متاتياس : ألست مجنونا ؟
شفيق ( يهز كتفيه ) : قد أكون مجنونا لأني لست مثل ...
متاتياس ( متمما فكر شفيق ) : مثلنا نحن أليس كذلك ؟ نحن عقلاء نعمل كجميع الناس و نجتمع بالوجهاء أمثالنا و ألعابنا و مسراتنا معقولة معتبرة كما أن أشغالنا شريفة كثيرة الأرباح. أما أنت فانظر إلى ما تفعل و اذكر من تعاشر. و أنا أريد أن أصلحك رحمة بك و خوفا على مستقبلك فتقبل نصحي كالمجنون الأحمق.
شفيق ( بهدوء حزين ) : حدثني عن رحمتك... إني حتى الساعة لم ألمح خيالها....
متاتياس ( يتكلف الشفقة المتناهية ) : و ماذا ينفع الذكاء و الدرس إن لم يقدهما النصح و الرأي؟ اعلم أيها المغرور أنه كما قال الساعر العربي
( بفخامة و تأن في الالفاظ )
" الرأي قبل شجاعة الشجعان "
( شفيق ينظر إلى أخيه بعينين واسعتين دهشتين و فيهما خيال الضحك فتهمس له سميحة بسرعة : " لا تدهشنك هذه الفصاحة الفجائية ! هذا عنوان إعلان تجاري رىه في جريدة هذا الصباح قرب أخبار البورصة. " هنا ينهض متاتياس بعظمة تتبعه زوجته و مدام سالم و يتجهون نحو الباب. و عندما يصل متاتياس قرب أخيه يتهكم قائلا: "" ابق على حريتك لنرى إلى أين تقودك. " ثم يخرجون و شفيق مهتم بملس الزبدة على كسرة خبز في يده. و بعد أن يبتعد وقع أقدامهم يجيل النظر فيما حوله فيرى أنه وحده فيحمل فوطته و يلوح بها في الفضاء كمن يطرد الذباب فيسمع صوتا يتكلم وراءه و يلتفت فيرى الدكتور سالم مشيرا نحو الشرفة حيث سميحة تسقي الأزهار. )
الدكتور سالم ( مخاطبا سميحة ) : أتسمحين لي بفنجان قهوة صغير ؟
سميحة : أسمح بفنجان قهوة كبير.
( تدخل من الشرفة و تدنو من المائدة. )
الدكتور : أشكر لك كرما لن أتمتع به يجب أن أذهب إلى المدينة في الحال.
( مخاطبا شفيق )
كيف الحال يا سي شفيق ؟
شفيق : في الحياة أمراض لا يداويها الكب يا دكتور.
سميحة ( بعطف أكيد ) : لقد أنهكوا قوى هذا الولد المسكين.
الدكتور ( يشرب القهوة واقفا ) : كدا ؟ و أي ذنب جنيت يا كثير الذنوب ؟
شفيق : هو الذنب الأكبر الذي لا ينتهي. و هل ينتظرك في المدين مريض ما ؟
الدكتور : لا تغير الموضوع اخبرني عن ذنبك الجديد.
سميحة : سهر البارحة في النادي. و ظلت غرفته منارة حتى الساعة الثالثة صباحا. و ابتاع أرغنا و قال إنه " حر " هذه قائمة الذنوب الجديدة.
شفيق ( لا يلتفت إليها ) : ذنبي الذي لا يغفر هو أني لست طفلا أريد أن أفتكر بنفسي و أعمل لنفسي و أعتمد على نفسي و هم يقذفون على بآرائهم و نصائحهم في كل حين. و ما هي قيمة الراي يا ترى إن لم أطلبه أنا ؟ و قد أطلبه و أسمعه دون أن أتبعه. ثم إذا استشرت غيري كل خطوة فكيف أعرك الامور فأخطئ هنا و أصيب هناك و اكتسب من الفشل و النجاح اختبارا هو في الحقيقة أكبر و أقدر ما يقود المرء في هذه الحياة المتشعبة السبيل ؟
الدكتور: الراي حسن يا شفيق عندما تطلبه و تكون في حاجة إليه.
شفيق ( متحمسا ) : حسن في هذه الحال و قبيح في ما عداها. عندما أقصدك مستشفيا أعلم أنك تستطيع شفائي فأذعن لأوامرك و أقبل نصائحك. و عندما اسألك رايك أعتبرك قادرا على و ضع نفسك مكاني و الشعور معي حقيقا بان تقودني في طريق سلكتها و اختبرتها قبلي. و لكن ما قيمة الراي عند غير أهله؟ كيف يرشدني في الموسيقى من لا يتقن إلا التجارة؟ كيف يصلح أغلاطي اللغوية من كان صحيحه مغلوطا؟ كيف يعلمني الصينية من لا يعرف عدد حروفها ؟ ثم كيف هو ينهاني عن قيادة زورق حياتي كما اريد ؟ عجبا ألام لأني لا أقضي ليالي حول الطاولة الخضراء و لا أصرف نهاري بين سباق الخيل و صيد الحمام و حانات الرقص و الشراب ؟ كنت و ما زلت أعتقد أن من كانت هذه حياته حق عليه الملام و ها أنا الذي أطلب الهدوء و الوحدة اقابل بالشغب و العبوس.
( يصمت آسفا لأنه تكلم إلا أن الكلام يعود متدفقا من شفتيه )
يعيرني أنه رباني صغيرا و الله يعلم كيف رباني إنه أدخلني المدرسة و هل كان بوسعه أن يفعل أقل من ذلك و يقول إنه بمثابة الاب لي فأي حنو وطد هذه الابوة ؟ كنت اقضي في المدرسة شهورا طويلة دون أن أراه و إذا زارني هو و ... و هن حملوا إلي الحلوى و العبات و كل ما تجلبه الدراهم و لكنهم لم يكونوا ليعطوني منهم شيئا الدراهم أورثنيها أبي مثل ما أورثهم أما قلوبهم فكانت مختومة كالقبور. كنت أبكي- اتسمع يا دكتور ؟ قلت أبكي- كنت أبكي عندما أرى رفاقي في أحضان ذويهم محبوبين مدللين أما هو فكان ياتي و يذهب بلا قبلة عطف بلا كلمة محبة بلا نظرة اهتمام لليتيم الصغير الذي كنته و كم كنت مستعدا لأحبه و كم كنت أتمنى أن يتركني أحبه دون أن يجمد قلبي و لو علمت اليوم أنه ينصحني ليجعل لنفسه أهمية و ليذلني و لو أذعنت لكلامه لحظة ما تأخر عن تغييره في اللحظة التالية.
( يتنهد )
لا أستنشق في هذا البيت غير هواء المقت و الكظيمة إنهم ينظرون إلي كدخيل مغتصب و هذه أمراض عضالة لا تستطيع معالجتها يا دكتور.
(تلتقي عيناه بعيني الطبيب و هو ينظر إليه طويلا بعظف يشبه المصادقة فيهز راسه فجأة و يحاول الابتسام )
أستميحك عفوا فقد مزجت قهوتك بالشكوى
( يهز كتفيه )
ما أحقر الشكوى و ما أحقر الشاكي
( يتغلب على نفسه و يرسل زفرة عميقة )
انتهى يا دكتور.
الدكتور ( متجها نحو الباب ) : نصحي إليك و غن كرهت الناصحين ان تخرج من نفسك بقدر الإمكان. إن عكفك على ذاتك يزيد عواطفك رقة و تهيجا. احتك بالناس اسمع ثرثرتهم شاركهم فيها اخرج إلى الهواء الطلق تعاط الالعاب الرياضية العب العب كن من أبناء جيلك لئلا تتعذب كثيرا.
سميحة (تغمز ضاحكة ) : سلمني مريضك فأمرضه يا دكتور !
( إلى شفيق )
تعال معي إلى الهواء الطلق تعال و كن رابع رفقائي في دور التنس هذا الصباح
يخرج الطبيب مسلما و يحاول شفيق اتباعه فتسد سميحة الطريق قائلة ) :
لا تذهب هكذا لئن ساءني ان أراك غاضبا فإنه يحزنني ان أراك حزينا و عندما يضايقونك يضعف احتمالي و ينفد صبري.
شفيق ( ببرود ) : يحزنك ! يسوءك ! إنك مثلهم جميعا.
سميحة : ما أجهلك بي ! لماذا لا تنظر إلي ؟ لا أدري أأنت محق أم متاتياس و لكن ميلي معك .
شفيق ( بلا اكتراث و دون أن ينظر إليها ) : عجائب !
سميحة : لو علمت أني في حاجة إليك و أني شقية مثلك في هذا البيت لما كلمتني بهذه اللهجة.
شفيق ( يتكلف الاهتمام التمثيلي ) : شقية أنت بين حمامات البحر و لعب الكره و السهرات الراقصات و السينما و التياترو و مغازلة أبناء الوجهاء أمثال أخيك ؟ تعزي بالأثواب الجديدة و القلائد الكثيرة و الكعاب الطويلة تعزي ولا تحزني!
( ينظر إلى ساعته )
مضى الوقت أرجوك أن تدعيني أخرج.
سميحة ( بتأن ) : قلت إني في حاجة إليك
شفيق ( يخرج من جيبه مفكرة و قلم رصاص ) : صحيح نسيت بماذا تريدين أن أجيئك من المدينة.....
( منتظرا أن تتكلم ليكتب )
بودرا ؟ خضاب ؟ عطر ؟ زهور ؟ شكولاتا ؟ أي شئ ؟
سميحة ( يظهر الحزن في وجهها و تفسح له الطريق قائلة ) : لك أن تخرج.
شفيق ( يخطو العتبة و هناك يتردد ذاكرا خشونته. ثم يلتفت و يعود نحو سميحة و ينظر في وجهها متمتما ما يشبه الاعتذار ) : إنك لا تنقمين علي أليس كذلك ؟
سميحة : و ماذا يهمك ؟
شفيق : لا يهمني ! لقد هنت على الآخرين فهانوا هم علي لا يهمني شئ.
سميحة : فهمت أني لا ألومك و إنك لا تريد أن تعتي بأمري أعدت لتقول هذا ؟
شفيق : عدت لأقول.....
( بتردد )
أراك غير راضية.
سميحة : حقا لست راضية . إني شقية.
شفيق ( لا يريد أن يتأثر ) : لست جادة.
سميحة : ز هل من شقاء أوفر جدا من أن تقصد زوجة متاتياس أن تزوجني لأحد أقاربها و اسمه خريستوبوبو لاندو بولس.
شفيق ( يرفع يده كمن يقي رأسه لطكة )) : يا حفيظ ! ما كل هذا ؟
سميحة : كل هذا اسم واحد .
( يا ئسة )
اسم يملأ بطاقة الزيارة من أولها إلى آخرها .
شفيق ( مواسيا ) : هوني عليك ! و ماذا يقول متاتياس ؟
سميحة : و ماذا ينتظر من رجل لا قيمة عنده إلا للمال و كل اسمه متاتياس ؟
شفيق ( يضحك ) : لست أدري لماذا أعطوه هذا الإسم.
سميحة : يظهر أن ابن جارة يونانية لنا كان يدعى به . و ربما كان تبوءة بأنه سيقترن بامرأة يونانية من ذوي قرباها خريستو بوبو لاندو بولس هذا.
شفيق : ممكن
( يضحك ثم تعود إليه هيئة التفكير شيئا فشيئا )
إذن تتخوفين الغرغام ؟ أيزعجك الإرشاد المتتابع أم في هذا القلب الصغير شئ آخر ؟
سميحة : أنت طيب كجميع الرجال الأذكياء.
شفيق ( يتفحص وجهها بدقة ) : و كيف عرفت جميع الرجال لتعلمي أن الأذكياء منهم ....
سميحة ( مشرقة الوجه ) : أعرف الجميع لأني أعرف واحدا.
( تهز راسها لتخفي خجلها )
و انت أخبرني أسرارك : بين الكثيرات و القليلات المفضلات على الأخريات ألا يوجد واحدة....
شفيق ( يأتي إشارة مبهمة و نظرة يتبع خطوط حلم بعيد ) : ليس هذا من شئون الفتيات. و ساروفيمك هذا من أبطال التنس ؟
سميحة : إن ذكاءك لمدهش ! هو زميلي و قد غلبته مرات مع أنه لاعب ماهر.
شفيق : و قد نال حظوة في عينيك لأنه لاعب ماهر أم لأنه مثل دور المغلوب؟
سميحة ( تحلم ) : لست أدري. إنه يجذبني خصوصا و نحن وحدنا في الليل على شط البحر.
شفيق ( متبرما ) : وحدكما على شط البحر و في الليل ما هذه الحكاية ؟
سميحة ( تتغير ملامحها و تجللها الهيبة و العظمة ) : هناك عطفة تؤدي إلى الشط حيث طائفة صخور لها صور الضواري و أشكال ينبسط امامها البحر بمروجه المائية و تنهده العميق الفسيح هناك تحت عيون النجوم أجلس على مقربة منه أجلس في حماه فيتناجى هو و البحر صامتين و أظل حابسة انفاسي لأستمع لنجواهما.
شفيق ( مأخوذا بهذا الشئ الجديد الذي لم يعهده فيها ) : أشاعرة أنت حقا أن المرأة لغز.
( و لكنه يعود إلى ما يشغله )
و من ذا الذي اكتشف هذه الخلوة ؟
سميحة : و من ذا الذي يصنع الأعاجيب غيره ؟ اكتشفها و قال تعالي فذهبت
شفيق ( غير مسرور ) : أيكفي أن يقول تعالي لتذهبي ؟
سميحة ( تملأ عينيها مشاهد بعيدة ) : يكفي أن يقول تعالي لأذهب
شفيق ( جادا ) : أنصحك ألا تذهبي بعد الىن.
( سكوت قصير ثم يقول آمرا و بقوة هادئة )
لا أريد أن تذهبي أتفهمين ؟
سميحة ( تعود إلى خفتها الأولى مقلدة صوته ) : تصحي إليك ألا تذهبي لا أريد أن تذهبي
( ثم بلهجة خطابية فخمة و إشارة تمثيلية واسعة )
اصغي خاشعة أيتها الشعوب فإن أخا متاتياس يتكلم
شفيق ( متغلبا على نفسه لا يريد أن يضحك ) : اسمعي يا بنية : أنت لا تعرفين هؤلاء الشبان و لا تسمعين ما يتبجحون به بعضهم أمام بعض. يكفي الواحد منهم أن يعرف فتاة معرفة سطحية و أن تكون علاقته بها اجتماعية محضة فتجامله مجاملة تقضي بها الاصطلاحات بل قد يكفي أن يراها مرة واحدة ليذكرها بلهجة توهم انه واقف على جميع دخائلها لو علمت النساء جميع التعليقات و الملاحظات و أنصاف الابتسامات و أنصاف النظرات و صنوف الكلام و صنوف السكوت الخبيثة التي يشفع بها ذكرهن أولئك المتملقون آه لو علمت النساء الغافلات
سميحة : شرير منك أن تعمد إلى الوشاية
شفيق : هذا هو الواقع مع الأسف.
سميحة: قد يوجد بين الرجال كمن وصفت و لكن هو لا يشبههم
شفيق : كل امرأة تكبر بطلها و ترفعه فوق الآخرين أقول لك إنه يكفي أن يصافحها...
سميحة ( بلهجة الغالب ) : و أنا أقول لك إنه لا يصافحني
شفيق ( مرتابا ) ألا تصافحينه قبل التنس و بعده ؟
سميحة : أصافحه وقتئذ و أصافحه كلما اجتمعت به في الأندية العامة كما أصافح غيره من معارفي أما في تلك الخلوة القدسية فلا
شفيق : أهي معاهدة بينكما ؟
سميحة : تعاهدنا و لكن بغير كلام.
شفيق : لم تتصافحا البارحة أما الغد فمن يضمنه ؟ لو مد لك يده و قال ضعي يدك هنا فماذا أنت فاعلة ؟
سميحة : ( لا تريد أن تتخيل ذلك ) : هذا غير ممكن . هذا مستحيل .
شفيق : و لكن هي لحظة أن المستحيل ممكن. لو مد يده غدا و قال
( يلفظ الكلمات بتأن متعمدا )
بلهجة قوله " تعالي" : لو قال بتلك اللهجة " ضعي يدك هنا " فماذا أنت فاعلة ؟
سميحة ( حائرة حزينة ) : أتركه أهرب و لا أعود ألتقي به
( ترفع رأسها مفاخرة )
غير أن الرجل الذي أحتمي بحماه لا يحوجني إلى الهرب.
شفيق : كم تحبينه !
( سميحة تضطرب كأن هذه الكلمة لمست من نفسها مكانا مؤلما فتسبل أجفانها و تسح دموعها ببطء شفيق يتأملها. )
أإلى هذا الحد ؟
سميحة ( تفتح عينيها فجأة و تسأل بحرقة ) : شفيق قل لي : أتظن أن فتاة مثلي فتاة عادية مثلي تستطيع أن تسعد رجلا حاد الذكاء؟
شفيق ( يبتسم بحلم ) : أري جميع أعراض المرض بادية و أراك ككل امرأة تبالغين في قدر من تحبين.
(يسكت متأملا )
أتمنى أن يكون هذا الغلام أهلا للكنز الذي هو أنت.
( ثم معاتبا و مداعبا معا )
و هكذا أفقد أختي ساعة أجدها ! إذا سرق هو كل شئ فماذا يبقى لي ؟
سميحة : في صدر المرأة قلوب يا فيلسوف و على كل أن يجد القلب الذي يخصه.
( عائدة إلى الموضوع الرئيسي )
خلاصة كل هذا أني أتكل عليك في دحر متاتياس و خرستو بوبو بولاند بولس و شركائهما.
شفيق : سندحرهم و معنا الدكتور سالم الذي أحترمه لأنه ليس على وفاق مع أختك زوجته مسكين أما سهراتك على شط البحر فسيكون لك من يرقبها و يحرسها... يا لعناد النساء و في ما عدا ذلك سندحرهم و لنا الفوز المبين
سميحة: آمين
( تمضي باحثة عن صولجان التنس و شبكته و تنشد )
يا ليلة يا بيضا يا نهار سلطاني
( ثم تغادر الغرفة بخطوات خفيفات راقصات )
شفيق ( يخرج إلى الشرفة منتظرا مرورها في الحديقة و عندما يراها ينحني قائلا ) : سلمي عليه
سميحة ( تتظاهر بعدم الفهم : أي شئ ؟
( ثم تضم أصابعها و تدنيها من شفتيها و تقول ) :
ما أحلى اسمك يا شفيق !